تفسير قوله تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ.)
قوله تَعَالَى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 187].
يذكُر الله تعالى ما يتصف به أحبار اليهود وقساوسة النصارى من التلاعب بدين الله تعالى، وكتمانه عن عوام الناس، وتضييعهم لشرعه الذي جاءت به رسلُهم عليهم السلام، ومن ذلك أن اللهَ تعالى أخَذ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ والمِيثَاقَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائهِ ورُسُلِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا بُعثَ، فكتموا ما أنزله الله تعالى في كتبهم من البشارات التي تدل عليه، وعلى أرض مَبعثه، وصفاته الخَلْقِية والخُلُقِية، فَنَبَذُوا عهدَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ عرضًا زائل من حطام الدنيا، وآثَروا الكفر على الإيمان.
وفي الآية تَحْذير لِلْعُلَمَاءِ من هذه الأمة أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ، فيحقَّ عليهم ما حقَّ عليهم، وَيُصِيبَهُمْ من عذاب الله مَا أَصَابَهُمْ؛ فالآيةُ وإن كانت نزلتْ تَوْبِيخًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَتَهْدِيدًا، فإنها عَامَّةٌ تشملهم وَتشملُ كلَّ مَن كتم شيئًا من دين الله تعالى؛ فعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَلَا: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾[1].
قال الفخر الرازي: حُكِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَرْسَلَ إِلَى الْحَسَنِ وَقَالَ: مَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ؟ فَقَالَ: مَا كُلُّ الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي قُلْتُهُ: وَلَا كُلُّ مَا قُلْتُهُ بَلَغَكَ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ: إِنَّ النِّفَاقَ كَانَ مَقْمُوعًا فَأَصْبَحَ قَدْ تَعَمَّمَ وَتَقَلَّدَ سَيْفًا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَمَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى هَذَا وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ[2].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[3].
قال قَتَادَةَ: هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَه اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْعِلْمِ هَلَكَةٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَا يَحِلُّ لِعَالِمٍ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى عِلْمِهِ، وَلَا لِلْجَاهِلِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى جَهْلِهِ.
﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾: النَّبْذُ: هُوَ الطَّرْحُ وَالْإِلْقَاءُ، والمرادُ به تركُ الْعَمَلِ بِالْعَهْدِ تَشْبِيهًا لهُ بِالشَّيْءِ الْمَنْبُوذِ، وقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾: كنايةٌ عن الْإِهْمَالِ والتضييعِ، ولو اهتموا به وقاموا بحقه لجعلوه نصبَ أعينهم.
﴿ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾: أي كتموا ما أنزله الله تعالى لمَنْفَعَةٍ دنيوية، وعرض زائل.
﴿ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾: فَبِئْسَ الفعل فعلهم، وبئست الصفقة صفقتُهم، فقد باعوا من أجلها دينهم.
الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ:
من الأساليب البلاغية في الآية: الكناية في قوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾؛ حيث شبه تركَ الْعَمَلِ بِالمِيثَاقِ الذي أخذه الله تعالى عليهم بِالشَّيْءِ الْمَنْبُوذِ كنايةٌ عن الْإِهْمَالِ والتضييعِ.
في قوله تعالى: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾: استعارة؛ حيث شبَّه عدم تمسُّكهم بعهد الله وعدم العمل به بالشيء الملقى خلف ظهر الإِنسان.
وشبَّه كتمانهم لآيات الله في مقابل عَرَضٍ من أعراضِ الدنيا بمن يشترى الحقيرَ الزهيدَ بالغالي الثمين.
|