عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 02-01-2026, 05:58 AM
السمو غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Jan 2026
المشاركات: 328
افتراضي تفسير قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُ

تفسير قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 151].



الْإِلْقَاءُ: رَمْيُ الشَّيْءِ، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ﴾ [الشعراء: 44].



وَيُطْلَقُ ويُرَادُ بِهِ الْإِفْضَاءُ بِالْكَلَامِ؛ كما في قوله: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ ﴾ [الشعراء: 223].



وَيُطْلَقُ ويُرَادُ بِهِ حُصُولُ الشَّيْءِ فِي النَّفْسِ؛ كما في قوله تَعَالَى: ﴿ وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ﴾ [الْمَائِدَة: 64]، وَهُوَ المراد هنا.



وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ [الأحزاب: 26].



وَالرُّعْبُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ: الخَوفُ الشَّديدُ، الَّذِي يَمْلاً الصَّدْرَ والقَلْب، وَالْمَعْنَى: سَنَمْلَأُ قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ خَوْفًا وَفَزَعًا.



هذه بَشْرَى من الله تَعَالَى للمؤمنين بِأَنَّهُ سَيَمْلَأُ قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ خَوْفًا، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ باللهِ تعالى، ﴿ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾؛ أي: حُجَّةً وَبُرْهَانًا.



عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"[1].



وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا ارْتَحَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ، انْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَدِمُوا فَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ، إِنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشِّرِّيرُ تَرَكْتُمُوهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَانْهَزَمُوا.



﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾: المأوى: الْمَكَانُ الَّذِي يلجأُ الْإِنْسَانُ إليه ليحتمي فيه، وَالْمَثْوَى: الْمَكَانُ الَّذِي يَكُونُ مَقَرَّ الْإِنْسَانِ، وَالثَّوَاءُ: الْإِقَامَةُ بِالْمَكَانِ.



ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَصِيرِهِمْ ومآلهم بأنَّ مَرْجِعَهُمُ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النَّارُ، وَبِئْسَ مُقَامُ الظَّالِمِينَ الذين أَشْرَكُوا بربهم.



الأساليب البلاغية:

من الأساليب البلاغية: الاستعارةُ في قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾، شَبَّهَ حصولَ الرعبِ في قلوبِ الكفارِ برَمْيِ الشَّيْءِ العظيمِ فيها.



ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾، ولم يقل: وَبِئْسَ مَثْوَاهم؛ لبيان خطرِ ما هم عليه من التعدي على مقام الربوبية.



وحذفُ المخصوصِ بالذَّمِ في قوله: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ للتهويل، وتقديره: وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ النَّارُ.
رد مع اقتباس