![]() |
تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 121 - 129].
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن اتخاذ بِطانة من دونهم لا يألونهم خبالًا من المنافقين وأهل الكتاب؛ لما في ذلك من الفساد، ولما تنطوي عليه قلوبهم من محبة المشقة على المؤمنين، والبغضاء وعدم المحبة لهم، والكفر والنفاق، والغيظ على المؤمنين ومحبة السوء لهم، ثم أيَّد ذلك بذكر قصة أحد التي نجم فيها نفاق المنافقين وكيدهم وأسيادهم من اليهود؛ حيث رجع عبدالله بن أبي بثلث الجيش، وقال كما حكى الله عنه: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 167]، فهذه الآية ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾ إلى تمام ستين آية نزلت في وقعة أُحد، وهذه السورة كلها نزلت بعد أُحد. قال ابن القيم[1]: «افتتح القصة بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ إلى تمام ستين آية». قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾: الواو: استئنافية، و«إذ»: ظرف بمعنى «حين» متعلق بمحذوف تقديره: اذكر، أي: واذكر حين غدوت من أهلك، والغدو: الخروج أول النهار، وقد يحمل هنا على مجرد الخروج؛ لأن خروج النبي صلى الله عليه وسلم في «أُحد» كان يوم الجمعة بعد الصلاة عند أكثر أهل السير، وكانت وقعة أُحد في السنة الثالثة من الهجرة في شهر شوال، يوم السبت الحادي عشر من شوال، وقيل: السابع من شوال. ﴿ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾: ابتدائية، أي: مبتدأ هذه الغدوة من أهلك، أي: من بيت أهلك وزوجك في المدينة. وسبب هذه الغزوة أن المشركين لما قُتل يوم بدر سبعون رجلًا من أشرافهم وكبرائهم، وأُسر سبعون، أرادوا الأخذ بالثأر من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في نحو ثلاثة آلاف حتى نزلوا قريبًا من أُحد تلقاء المدينة في مكان يُقال له: «عَينَيْن». فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه هل يخرج إليهم؟ فأشار عليه بعضهم ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، وأشار عبدالله بن أبي وبعض الصحابة بعدم الخروج من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، وكان هذا رأيه صلى الله عليه وسلم، وكان هو الرأي، لكن ألحَّ عليه الذين أشاروا بالخروج، فدخل صلى الله عليه وسلم ولبس لَأْمَة الحرب التي توضع على الرأس، وخرج إلى أصحابه، فقال بعض الذين أشاروا عليه بالخروج: لعلنا استكرهنا رسول الله، ليتنا لم نتكلم بهذا، فقالوا: يا رسول الله، إن شئت ألا نخرج فعلنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لَأْمَته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه»[2]. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة في ألف من أصحابه، وفي أثناء الطريق رجع عبدالله بن أبي بثلث الجيش مغاضبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يأخذ برأيه ومشورته في البقاء في المدينة، وقال هو وأصحابه كما ذكر الله عنهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، قال الله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [آل عمران: 167]. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا حتى نزل الشِّعْب من أُحد في عُدْوة الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال». وتهيَّأ صلى الله عليه وسلم للقتال، وبوَّأ أصحابه، وهم سبعمائة مقاعدهم للقتال، وجعلهم ميمنة وميسرة، وأمَّر على الرماة عبدالله بن جبير وكانوا خمسين رجلًا، وقال لهم: «انضحوا الخيل عنا، أي: ادفعوها عنا بالنبال، ولا نُؤْتَيَنَّ من قبلكم، والزَموا مكانكم، إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا العير، فلا تبرحوا مكانكم». وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، أي: لبس درعًا فوق درع، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبدالدار - رضي الله عنه. وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء[3]. فحصل القتال يوم السبت في أول النهار، وانتصر المسلمون، وولَّى المشركون الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى الرماة - وهم على الجبل - أن المشركين قد وَلَّوا الأدبار، وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم، قالوا: انتهت الحرب وأرادوا النزول للمشاركة في جمع الغنائم، فذكَّرهم أميرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبرحوا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا»، لكنهم لم يأخذوا بذلك ونزلوا، فكرَّ خالد ابن الوليد في مجموعة من فرسان قريش من خلف ظهور المؤمنين لما انكشفت بنزول الرماة، فاختلط المشركون بالمسلمين من ورائهم، فقُتل سبعون رجلًا من المسلمين، منهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومُثِّل به. وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ في وجهه وكُسرت رَباعيته، فأخذ يمسح عن وجهه، ويقول: «كيف يفلح قوم شجُّوا نبيهم، وكسَروا رَباعيته وهو يدعوهم إلى الله»[4]. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن شهداء أُحد في مصارعهم، ولم يُغَسَّلوا ولم يُكَفَّنوا؛ لأن الشهيد يُبْعَث يوم القيامة وجُرحه يَثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك»[5]. وحصل ما حصل من الابتلاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مما قدَّره الله تعالى وقضاه؛ لحكم وأسرار عظيمة جاءت الإشارة إليها في ثنايا الآيات في ذكر هذه القصة. وقُتل من المشركين نيِّفٌ وعشرون، وقال أبو سفيان يومئذ: «اعل هُبَل، اعل هُبَل، يوم بيوم بدر، والحرب سجال»[6]. وقد أطال ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»[7]: بذكر هذه الغزوة وما جرى فيها، وما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام والفقه، وفي ذكر بعض الحكم والغايات التي كانت فيها. ﴿ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ الجملة حالية، أي: حال كونك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال. ومعنى ﴿ تُبَوِّئُ ﴾ تُنزِّل، أي: تنزل المؤمنين مقاعد للقتال. والتبوؤ: النزول. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ﴾ [الحشر: 9]؛ أي: نزلوها، وقال صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»[8]. ﴿ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾: «مقاعد» مفعول ثانٍ لـ«تبوئ» أي: تنزل المؤمنين منازل للقتال، وتجعلهم ميمنة وميسرة، وكلٌّ في مكانه، وموقعه المناسب له؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54، 55]. حيث نزل صلوات الله وسلامه عليه المؤمنين منازلهم، ورتَّبهم ونظمهم تنظيمًا عجيبًا، يدل على براعته صلى الله عليه وسلم في فنون السياسة والحرب، وفي التعبير بقوله: «مقاعد» إشارة إلى ثبات كل منهم بمكانه المحدد له بثبوت القاعد في مجلسه. ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾؛ أي: ذو سمع واسع لما يقولون، ولجميع الأقوال والأصوات، ﴿ عليم ﴾؛ أي: ذو علم واسع بما في ضمائركم وبكل شيء. قوله تعالى: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. سبب النزول: عن جابر بن عبدالله- رضي الله عنه - قال: «فينا نزلت ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب أو ما يسرني أنها لم تنزل؛ لقول الله: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾»[9]. قوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾: «إذ» بدل من «إذ» في قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾، فالتقدير على هذا: اذكر إذ هممت، أي: حين همت طائفتان منكم أن تفشلا. ﴿ همَّت ﴾ الهم: يطلق على العزم، ويطلق على مجرد حديث النفس. ﴿ طائفتان ﴾: مثنى: «طائفة»، وهي الجماعة من الناس، والطائفتان هنا: هما بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج، وهما الجناحان. ﴿ أَنْ تَفْشَلا ﴾ «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف محذوف، والتقدير: همتا بالفشل، و«الفشل» في كل أمر بحسبه، والمراد به هنا الجبن والخوف والانهزام؛ أي: هَمَّت هاتان الطائفتان أن تَجبُنا وتَرجِعا، لا لشك منهما أو نفاق، ولكن بسبب ما فعله عبدالله بن أبي؛ حيث انخزل ورجع بثُلث الجيش، مما كان له الأثر على نفوس الجيش، ولكن الله عصَمهما وثبَّتهما، فمَضَيَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾، فتولاهما عز وجل بولايته الخاصة فثبَّتهما، فلم تفشلا ولم تفعلا ما هَمَّتا به ولم ترجعا، وهو نعم المولى ونعم النصير. ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾؛ أي: متوليهما بولايته الخاصة وناصرهما؛ ولهذا ثبتهما فمضيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تفشلا ولم ترجعا، فصار ذلك منقبةً لهما. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ ﴾: متعلق بـ«يتوكل»، وقدِّم عليه للدلالة على الحصر، أي: وعلى الله وحده لا على غيره ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. و«التوكل على الله»: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار- مع تمام الثقة بالله عز وجل - وفعل الأسباب المشروعة. وأكثر الناس يدَّعون التوكل على الله، وينطقون بذلك بألسنتهم، لكنهم يَلهثون وراء الأسباب، وينسون مسبب الأسباب - سبحانه وتعالى - وهذا دليل على عدم صدقهم في الاعتماد على الله والثقة به. وفريق من الناس يزعمون التوكل على الله تعالى، ويُهملون فعل الأسباب المشروعة، وهذا ليس بتوكل، ولكنه تواكل؛ كما قال عمر- رضي الله عنه - لما قيل له: إن أناسًا من أهل اليمن يحجون وليس معهم زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، فقال رضي الله عنه: «هؤلاء ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون». وقال عمر رضي الله عنه: «لا يقعد أحدُكم عن طلب الرزق، يقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تُمطر ذهبًا ولا فضة»[10]، فالمتوكل على الله حقًّا من جمع بين الاعتماد على الله وفعل الأسباب. وخصَّ عز وجل المؤمنين بقوله: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾؛ لأن التوكل من مقتضيات الإيمان؛ ولأن المؤمنين هم الذين يتوكلون على الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 99]. قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. ذكَّر عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بخروجه إلى أُحد، وما جرى عليهم من المصيبة في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾، والآيات بعدها، وذكَّر عز وجل المؤمنين في أثناء ذلك بما منَّ به عليهم قبل ذلك من النصر العظيم يوم بدر بسبب توكلهم على الله، مع قلة عددهم وضعف عدتهم، وكثرة عدوِّهم وقوته، في إشارة واضحة إلى أن عدم النصر في أُحد ليس سببه القلة والضعف، وإنما كان سببه المخالفة وعدم الطاعة؛ كما سيأتي في الآيات بعد هذا، ولهذا قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. فالذي نصرهم ببدر وهم أذلة قادرٌ على نصرهم في سائر المواطن، وما حصل لهم في أُحد لا ينبغي أن يَفُتَّ في عَضُدهم؛ فالحرب سجال. قوله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾: الواو: استئنافية، واللام: واقعة في جواب قسم مقدر، و«قد»: للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، والقسم المقدر، و«قد»، والتقدير: والله لقد نصركم الله ببدر، أي: جعل لكم الغلبة والظهور في وقعة بدر الكبرى، حيث قتلوا سبعين من صناديد قريش، وأسرُّوا سبعين، وكانت في السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة. والباء في قوله: ﴿ ببدرٍ ﴾ للظرفية؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ﴾ [الصافات: 137، 138]؛ أي: وفي الليل. و«بدر» محلة بين مكة والمدينة، وهي إلى المدينة أقرب، بينها وبين المدينة نحو ثمان وعشرين فرسخًا، تُعرف ببئر فيها، تُنسب إلى رجل حفرها يقال له: بدر بن النارين، وقيل غير ذلك. جرت فيها معركة بين المسلمين والمشركين، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بعير لقريش مع أبي سفيان قدمت من الشام تحمل تجارة لهم، وبما أنهم قد أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ديارهم وأموالهم، وهم حرب على المسلمين، فندب صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج لأخذ هذه العير، فخرج بنحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ومعهم سبعون بعيرًا وفَرَسان فقط، يتعاقب على البعير الواحد الرجلان أو الثلاثة، فعدد أقل وعدة قليلة. فعلم أبو سفيان بخروجهم، فأرسل إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عِيرهم، فخرجوا لنجدته بكبرائهم وأشرافهم ما بين التسعمائة إلى ألف بعدتهم وعتادهم، وسلك أبو سفيان طريق الساحل، ونجا بالعير، فأرسل إليهم ليرجعوا، لكنهم أبوا الرجوع بطرًا منهم ورياءً، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم وغرَّهم؛ كما قال تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 47، 48]. فالتقى الجمعان ببدر، ونصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مع ما هم عليه من قلة العدد والعدة، فقتلوا سبعين رجلًا من صناديد قريش، وألقوهم في قليب بدر، وأسروا سبعين منهم، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، وقد ذكر الله تعالى قصة هذه الغزوة مفصلة في سورة الأنفال. قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ الواو: حالية؛ أي: حال كونكم أذلة، و«أذلة» جمع «ذليل»؛ أي: ضعفاء، قليل عددكم، قليلة عدتكم، وأنتم في أُحد أكثر عددًا وعدة منكم في بدر، وفي هذا إشارة إلى أن تخلف النصر في «أحد» ليس بسبب الضعف وقلة العدد والعدة، وإنما بسبب المخالفة والعصيان. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾: الفاء: للتفريع؛ أي: فاتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، واثبتوا في القتال، ولا يَفِلَّ حدَّكم ما حصل لكم في أُحد. ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾: «لعلَّ» للتعليل؛ أي: لأجل أن تكونوا ممن يشكرون، أي: لتنالوا درجة الشاكرين، القائمين بطاعة الله؛ لأن حقيقة شكر الله تعالى على نعمة النصر وغيرها من النعم؛ يكون بتقوى الله تعالى بفعل ما أمر الله واجتناب ما نهى عنه، فبذلك تدوم النعم، وتَندفع النقم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. قال الشاعر: إذا كنت في نعمة فارْعَها فإن المعاصي تُزيل النعم وحافِظ عليها بشكرِ الإله فإن الإله سريعُ النِّقم[11] والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، كما قال الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً يدي ولساني والضميرَ المحجبا[12] فالشكر بالقلب بالإقرار بالنعمة باطنًا، والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا بالقول بالثناء على الله تعالى، ونِسبتها إليه، والتحدث بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، والشكر بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله، واستعمالها في طاعة الله تعالى، والبعد بها عن معصيته. قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾. قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾: «إذ» ظرف بمعنى «حين» بدل من «إذ» في قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ [آل عمران: 121]، أو متعلق بـ«نصركم». والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ كقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 37]، ونحو ذلك؛ أي: إذ تقول مبشرًا ومثبتًا للمؤمنين. ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ هذا إلى قوله ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾: مقول القول، أي: إذ تقول للمؤمنين وهم الصحابة - رضي الله عنهم - هذا القول؛ روي أن الصحابة - رضي الله عنهم - رأوا أن المشركين أخذ يمد بعضهم بعضًا على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ الآية[13]. وهذا وعد لا يتخلف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى عنه: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]. ﴿ أَنْ يُمِدَّكُمْ ﴾ «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع فاعل، والتقدير: ألن يكفيكم إمدادُ ربِّكم، والإمداد: الزيادة والعطاء، والإعانة. وأُسند الفعل «يمد» إلى اسم الربوبية؛ لأن الرب هو الذي له الخلق والملك والتدبير، والاستفهام للتقرير؛ أي: أن ذلك يكفيكم؛ ولهذا قال بعده: «بلى». ﴿ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾: قرأ ابن عامر بتشديد الزاي: «منزَّلين» من «نزَّل»، وقرأ الباقون بتخفيفها: ﴿ مُنْزَلِينَ ﴾ من: «أنزل». و«أنزل» و«نَزَّل» بمعنى واحد؛ أي: منزلين من السماء؛ كما قال تعالى: ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 95]. قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾. يحتمل أن يكون هذا من تتمة قول الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى؛ تأييدًا لقول نبيه صلى الله عليه وسلم، وزيادة على ما وعدهم تكرمًا وتفضلًا. ﴿ بَلَى ﴾: حرف جواب للإثبات، وإبطال النفي، والتقرير؛ أي: بلى يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين: ﴿ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾. قوله: ﴿ إِنْ تَصْبِرُوا ﴾؛ أي: إن تصبروا على قتال عدوِّكم، وعلى فعل ما أمركم الله به، وعلى أقدار الله المؤلمة. ﴿ تَتَّقُوا ﴾؛ أي: وتتقوا الله باجتناب ما نهاكم الله عنه من الفشل والهوان أمام الكفار، وغير ذلك. ﴿ وَيَأْتُوكُمْ ﴾: الضمير الواو في «يأتوكم» للمشركين، وكذا في قوله: ﴿ مِنْ فَوْرِهِمْ ﴾. ﴿ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ﴾؛ أي: من وجههم هذا، ومن ساعتهم هذه مبادرين ومباغتين لكم غضبًا منهم للانتقام ليوم بدر؛ يقال: جاء فلان وخرج من فوره؛ أي: خرج مبادرًا. ﴿ يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ ﴾؛ أي: يزوِّدكم ربُّكم. ﴿ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾، فوعدهم صلى الله عليه وسلم بأن يمدَّهم ربُّهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، وقرَّر ذلك بتكفُّله عز وجل لهم إن صبروا واتقوا، وجاءهم العدو من فورهم هذا بأن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وعاصم بكسر الواو: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾: اسم فاعل، أي: معلِّمين؛ أي: هم سوَّموا أنفسهم، أي: جعلوا عليها علامات تدل على شجاعتهم مثل لبس لَأْمةِ الحرب، ونحو ذلك. وقرأ الباقون بفتح الواو: «مسوَّمين» اسم مفعول، أي: معلَّمين من السماء بعلامات الجهاد والقتال، قيل: عليهم عمائم سود أو بيض، وعلى نواصي خيولهم وذيولها الصوف الأبيض، وقيل غير ذلك؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «هذا جبريل أخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب»[14]. وكونهم معلمين أخص من مجرد الإنزال، فتكفل عز وجل لهم بزيادتهم من حيث الكمية إلى خمسة آلاف، وتكفل لهم من حيث الكيفية بكونهم مسوَّمين معلمين عليهم علامات القتال والشجاعة. والسيماء: العلامة؛ قال الشاعر[15]: غلام رماه الله بالحسن يافعًا له سيمياء لا تشق على البصر أي: له علامة حسن ظاهرة يراها كلُّ ناظر إليه بلا مشقة. وقد اختلف المفسرون هل هذا الإمداد المذكور هنا في بدر أو في أُحد على قولين: القول الأول: أن هذا كان يوم بدر وأن قوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلق بقوله قبله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ﴾، ويشكل على هذا أنه قال هنا: ﴿ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ ﴾ و﴿ بِخَمْسَةِ آلَافٍ ﴾، بينما قال في سورة الأنفال في قصة بدر: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9]. وقال ابن كثير[16] في الإجابة على هذه: «فالجواب أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؛ لقوله: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ بمعنى: يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوفٌ أُخَر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر، كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف». وعلى هذا يكون المسلمون في بدر أمدوا بألف ثم بثلاثة، ثم بخمسة آلاف. والقول الثاني: أن هذا الوعد بالإمداد كان في أحد، فيكون قوله: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ متعلقًا بقوله قبل ذلك: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾، وذلك يوم أحد، وهذا الوعد مشروط بالصبر والتقوى؛ لقوله: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾، ولم يتحقق هذا من المسلمين، بل حصل منهم ما يخالفه وهو المعصية والتنازع والفشل، ولهذا لم يتحقق هذا الوعد بالإمداد، لا بثلاثة ولا بخمسة. وعلى هذا فلا إشكال بين آيتي آل عمران وآية الأنفال، فآية الأنفال ذكر فيها الإمداد بألف من الملائكة مردفين، وهو ما حصل في بدر، وآيتا آل عمران ذكر فيها الوعد بالإمداد بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف في أحد بشروط، ولم يحصل الإمداد فيها، لعدم تحقق الشروط. ولا ينافي هذا ما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد»[17]، فإن هذا قتالًا من الملائكة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو الإمداد المذكور. قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾. قوله: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «جعله» في محل نصب مفعول أول لـ«جعل»، يعود إلى الإمداد، والوعد به بالشروط الثلاثة، أو إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: إلى قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية. والمراد بـ«الجَعْل» هنا الجعل الكوني، أي: وما جعله الله كونًا. ﴿ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ﴾: «بشرى»: مفعول ثان لـ«جعل» إذا كانت بمعنى «صيَّر»، وقد تكون «بشرى» مفعولًا لأجله، أي: وما جعله الله إلا لأجل البشرى لكم؛ أي: ما هو إلا بشرى لكم تبشرون بها. و«البشرى»: الخبر السار، مأخوذ من البشرة؛ لأن الإنسان إذا أخبر بما يسره اتَّسعت بشرته، واستنار وجهه. ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، أي: ولأجل أن تطمئن قلوبكم به، أي: لأجل أن تسكن قلوبكم، ويزول عنها الخوف، ويقوى التفاؤل ويحصل الثبات، والضمير في «به» يرجع إلى مرجع الضمير في «جعله»، والباء: للسببية، أي: ولتطمئن قلوبكم بسببه. وأخَّر هنا المتعلِّق «به»، وقدَّمه في آية سورة الأنفال؛ كما حذف منها قوله: ﴿ لكم ﴾، فقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ [الأنفال: 10]. وهذا قد يدل على أن السياقين ليسا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر، وآيتا آل عمران في غزوة أُحد. ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و«إلا»: أداة حصر، أي: وما النصر إلا من عند الله تعالى وحده، حتى وإن أمدكم بثلاثة آلاف وخمسة آلاف من الملائكة، فليس النصر منهم ولا بكثرة العدد والعدة، ولا بحولكم وقوتكم، وإنما النصر من عند الله تعالى وحده، فيجب الاعتماد عليه وحده مع فعل الأسباب. ﴿ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾، وفي الأنفال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 10]. و﴿ الْعَزِيزِ ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه ذو العزة التي لا ترام، كما جاء في الدعاء: «ذو العزة التي لا ترام»[18]؛ عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة. و﴿ الْحَكِيمِ ﴾: اسم من أسماء الله - عز وجل - يدل على أنه ذو الحكم التام؛ الحكم الكوني، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وذو الحكمة البالغة: الحكمة الغائية، والحكمة الصورية. قوله تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾. قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: اللام: للتعليل، أي: لأجل أن يقطع طرفًا من الذين كفروا، وهو متعلق بقوله: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران:126]، أو متعلق بـ﴿ نَصَرَكُمُ ﴾، أو متعلق بقوله: ﴿ يُمْدِدْكُمْ ﴾. والأول أولى؛ ليكون عامًّا في كل نصر. والمعنى: ليهلك طائفة من الذين كفروا، وفي قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾: إشارة إلى أن العدو الذي يلي المسلمين أَولى بالقطع والقتل؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]. وهذا كما هو المأمور به شرعًا، فهو أيضًا مقتضى الحكمة، فليس من الحكمة أن يقاتل العدو البعيد ويترك القريب؛ لأن القريب أشد خطرًا على المسلمين. ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾: «أو»: عاطفة، والجملة معطوفة على جملة التعليل: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾، والكبت: الإذلال والإهانة؛ أي: يذلهم ويخزيهم ويَردُّهم بغيظهم وغمِّهم وكمدهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [المجادلة: 5]؛ أي: أُهينوا وأُذِلُّوا؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 20، 21]. ﴿ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، أي: فيرجعوا مخذولين خاسرين لم ينالوا ما أرادوا وما أمَّلوا؛ كما حصل في غزوة الأحزاب؛ قال تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25]؛ حيث أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا، وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25]. قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾: هذه الآية مما يقوي أن السياق والإمداد المذكور في هذه الآيات في أُحد وليس في بدر. سبب النزول: عن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيته يوم أُحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه، ويقول: «كيف يُفلح قوم شجُّوا نبيهم، وكسروا رَباعيته، وهو يدعوهم إلى الله - عز وجل -»، فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾»[19]. وعن سالم عن أبيه «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: «اللهم العَن فلانًا وفلانًا وفلانًا»، بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد»، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾». وفي رواية: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾»[20]. وفي رواية عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ إلى آخر الآية، وهداهم الله للإسلام»[21]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانًا وفلانًا» لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ الآية»[22]. قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: بل الأمر كله لله؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]؛ أي: ترجع الأمور كلها. وقال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد: 40]، وقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. ﴿ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾: «أو» في الموضعين عاطفة، والجملتان معطوفتان على جملة التعليل ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾. وعلى هذا تكون جملة ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾: معترضة بين هاتين الجملتين وبين الجملة المعطوف عليها. وقيل: «أو» بمعنى «إلى» وفي الآية حذف، والتقدير: فاصبِر إلى أن يتوب الله عليهم؛ أي: لا تيئَس، ولا تدعُ عليهم، بل اصبر إلى أن يتوب الله عليهم، أو يعذبهم. وقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾؛ أي: يوفِّقهم للرجوع عما هم عليه من الكفر إلى الإسلام، ومن الضلال إلى الهدى، ويقبل ذلك منهم، وفي هذا إشارة إلى أنه - عز وجل - سيتوب عليهم أو على بعضهم. وهو ما حصل حيث تاب الله على بعضهم. ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾: العذاب: العقوبة، وهو في الأصل يُحمل على عذاب الدنيا والآخرة، وعلى العذاب من الله الذي ليس للمؤمنين فيه يدٌ، وعلى العذاب بأيدي المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 14]. والأولى أن يحمل قوله: ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ على العذاب من الله في الدنيا والآخرة، الذي ليس للمؤمنين فيه يد؛ لأن تعذيبهم على أيدي المؤمنين بنصر الله لهم ذكر في قوله تعالى: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية. وهكذا حصل لهؤلاء الكفار، فقطع الله طرفًا منهم فهلك، وكبت فريقًا منهم فانقلبوا خائبين، وتاب الله على فريق منهم ودخلوا الإسلام، وعذب فريقًا منهم بالموت على الكفر. ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾: تعليل لما قبله، أي: لقوله ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾، وقوله: ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾؛ أي: فإنهم بسبب ظلمهم يستحقون ما ذكر من العقوبات؛ من قطع طرفٍ منهم، وكبتهم ورجوعهم خائبين، أو تعذيبهم، إلا أن يوفقهم الله للتوبة، فيتوبوا ويتوب الله عليهم، وبهذا يرتفع عنهم وصف الظلم. قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، ثم بيَّن في هذه الآية أن له - عز وجل - وحده الأمر والملك كله. قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: الواو: عاطفة، واللام في قوله: (لله) لام الملك والاستحقاق والاختصاص، وقدم الخبر (لله) على المبتدأ للدلالة على الحصر، و«ما» في الموضعين: اسم موصول يدل على العموم؛ أي: ولله تعالى وحده جميع الذي في السماوات والذي في الأرض؛ خلقًا وملكًا وتدبيرًا. ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾: المغفرة: ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن العقوبة، كما في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما - في المناجاة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يدني الله المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه[23]، ثم يقرِّره بذنوبه، فيقول: أتذكر ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقول الله - عز وجل -: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»[24]. ومنه سمي المغفر وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتَقيه السهام. ﴿ لمنْ يَشَاءُ ﴾ «من»: موصولة، أي: للذي يشاء من العباد، وهو من اقتضت حكمته المغفرة له من أهل المعاصي دون من مات على الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ [النساء: 48]. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾: أي: ويعذِّب الذي يشاء من العباد، وهو من استحق العذاب ممن ماتوا على الشرك أو على المعاصي. ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾؛ أي: والله ذو مغفرة واسعة، ولهذا يَغفر لمن يشاء. ﴿ رَحِيمٌ ﴾: ذو رحمة واسعة، هي سبب مغفرته. |
| الساعة الآن 02:31 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans