منتدى تراتيل شاعر

منتدى تراتيل شاعر (http://www.omssyat.ps/index.php)
-   القرآن الكريم وعلومه وأحكام (http://www.omssyat.ps/forumdisplay.php?f=18)
-   -   تفسير قَوله تَعَالَى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُو (http://www.omssyat.ps/showthread.php?t=113)

السمو 01-29-2026 05:04 PM

تفسير قَوله تَعَالَى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُو
 
قَوله تَعَالَى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 185].



مُنَاسَبَةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَهَا:

لَمَّا ذكرَ اللهُ تَعَالَى حال اليهودِ وجرأتهم على الله تعالى، وإعراضهم عن الإيمان، وتكذيبهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيَّنَ سبحانه وتعالى هنا أنَّ الدنيا ليست دارَ بقاءٍ، وأنَّ الْمَوْتَ مصيرُ كل حي، وذكر الموت تهديد للكافرين المكذبين، فمن طغى وآثَر الحياة الدنيا، فسوف يزول عنها حتمًا، ويبقى رهينَ عمله، وهو كذلك وَعْدٌ لأهل الإيمان بما أعده الله لهم في الآخرة من النعيم.



﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾: يُخبر الله تعالى أن كل نفس مخلوقة ستذوق الموت لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78].



الذَّوْقُ هُنَا استعارةٌ، ويُطْلقَ عَلَى وجْدَانِ الْمَوْتِ، يُقَالُ ذَاقَ طَعْمَ الْمَوْتِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ﴾ [الدخان: 56].



وقد قيل:
الْمَوْتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ
فَلَيْتَ شَعْرِيَ بَعْدَ الْبَابِ مَا الدَّارُ

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾: التَّوْفِيَةُ: إِعْطَاءُ الشَّيْءِ كاملًا، وَالْأُجُورُ جَمْعُ أَجْرٍ والمرادُ به الثَّوَابُ، والمعنى: إِنَّمَا تستكملون ثوابَ أَعْمَالِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.



﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾: الزَّحْزَحَةُ: التَّنْحِيَةُ وَالْإِبْعَادُ، أي: فَمَنْ نُحِّيَ عَنِ النَّارِ وَأُبْعِدَ عَنْهَا، وَأَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ فَقَدْ ظَفِرَ بِطِلْبَتِهِ، وَنَالَ مُبْتَغَاهُ مِنَ الْخَيْرِ.



وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ"[1].



﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾: الْمَتَاعُ كلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ يَزُولُ وَلَا يَبْقَى، وهذا شأن الدنيا، مَتَاعٌ قليلٌ وظلٌّ زائلٌ، وقيل لها: مَتاعُ الْغُرُورِ؛ لأنها تَغُرُّ الناسَ وَتَخْدَعُهُم، فَيَظُنُّونَها دارَ بَقَاءٍ وَهِيَ فَانِيَةٌ.



الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ:

من الأساليب البلاغية في الآية: الِالْتِفَاتُ من الغيبة للحضور، ومن الإفراد للجمع فِي قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ ﴾.



ومراعاةُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ في قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾؛ فإنَّ لَفْظَ كُلٍّ لِأَفْرَادِ التَّذْكِيرِ وَمَعْنَاهُ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، وهنا رُوعِيَ الْمَعْنَى في ﴿ نَفْسٍ ﴾، فقال: ذائقة دُونَ اللَّفْظِ: ﴿ كُلُّ ﴾.



قال أَبُو الْبَقَاءِ: وَلَوْ ذَكَّرَ عَلَى لَفْظِ (كُلُّ) جَازَ؛ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقٌ، جَازَ، ورده الزركشي فقال: وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ (كُلُّ)[2].



وَالاستعارةُ في قوله: ﴿ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾؛ لأن حقيقة الذوق ما يكون بحاسة اللسان.



والطباقُ في قوله: ﴿ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾.



والحذفُ في قوله: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾؛ أي: وما لذاتها وزخارفُها.



والاستعارةُ في قوله: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، شبَّه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستامِ، ويغرُّ حتى يَشتريه، ثم يتبيَّن له فسادُه ورداءتُه[3].


الساعة الآن 05:43 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans