![]() |
تفسير قَوله تَعَالَى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظ
قَوله تَعَالَى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ [آل عمران: 182 - 184].
تقولُ الْمَلَائِكَةُ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ: ذُوقُوا عَذَابَ اللَّهِ الَّذِي يَحْرِقُكُمْ، هَذَا الْعَذَابُ لَكُمْ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أَيْ: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ، وَتخْصِيصُ الْأَيْدِيِ بِالذِّكْرِ دلالةٌ عَلَى مُبَاشَرَتِهِم لتلكَ الْآثَامِ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: وَذَلِكَ الْعَذَابُ لَكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا بِجُرْمٍ اجْتَرَمَهُ، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: الْقُرْبَانُ مَصْدَرٌ كَالْكُفْرَانِ وَالْخُسْرَانِ، وهوَ كلُ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، يخبرُ اللهُ تَعَالَى عن تعنتِ اليهودِ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حين دعاهم للإيمان بقوهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، وإنما كان ذلك منهم عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ؛ لأنه قد وقع قبل ذلك لرسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منَ الْمُعْجِزَاتِ ما تناهى إلى سمعهم، وتناقلته العربُ، من آمن منهم ومن لم يؤمن، وهذا الذي قَالُوه مِنْ جملةِ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذِبِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ. ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: قُلْ لهم يا محمد قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بالآيات الواضحات والبراهين القاطعات، فما زادتكم الآيات إلا كفرًا، وما زادتكم المعجزات إلا إعراضًا، حتى قتلتم رسلَ اللهِ، فإن كنتم صادقين في دعواكم فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إذًا؟ ولم يُجبهم الله تعالى فيما اقترَحوه لعلمه بتعنُّتهم، وَلَوْ جَاءَهُمْ بِالْقُرْبَانِ لَتَعَلَّلُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يفترُونَهُ فرارًا من الإيمانِ؛ كما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ [الإسراء: 59]. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: يُعَزِّي اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويسليه على كفرِ من كفر من اليهودِ وعلى تكذيبهم له، فتلك سنةُ أعداءِ الرسلِ في كل زمانٍ؛ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ﴾ [الأنعام: 34]. مع أنَّ الرُسُلَ جَاؤُوا أقوامهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وَهِيَ الْحُجَجُ وَالْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ والمعجزاتُ ﴿وَالزُّبُرِ﴾: جَمْعُ زَبُورٍ وَهِيَ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾؛ أَيِ: الْمُبَيِّنُ لِلْحَقِّ، والْوَاضِحُ الْجَلِيُّ. وقيل المرادُ بِالزُّبُرِ منْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، مَا يَتَضَمَّنُ المَوَاعِظَ كَالْإِنْجِيلِ والزبورِ وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ: مَا يَتَضَمَّنُ الشَّرَائِعَ كالتَّوْرَاةِ، وَالْعَطْفُ بينها؛ لأنَّ كُلَّ الرُّسُلِ جَاؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ، وَبَعْضُهُمْ جَاءَ بِالزُّبُرِ، وَبَعْضُهُمْ جَاءَ بِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ. الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ: من الأساليب البلاغية في الآية: التَّغْلِيبُ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ حيث غلَّبَ مَا وَقَعَ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ عَلَى مَا وَقَعَ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تُزاوَلُ بِهَا. والمجازُ المرسلُ في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، من إِطلاق اسم الجزء وإِرادة الكل. |
| الساعة الآن 07:31 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans