المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثمار الخلة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم


السمو
04-16-2026, 02:30 PM
تفكَّرت في ثمار الخُلة التي حباها الله للحبيب صلى الله عليه وسلم، فوجدت أن ذلك ظاهر للعيان، من خلال النظر في الفضائل التي حباها الله تعالى له صلى الله عليه وسلم، وتلك الفضائل لا نهاية لها، ولكن أذكر في هذا المقام طرفًا منها[1]:

الفضيلة الأولى: من أعظم فضائله أن الله تعالى أقامه مقام ذاته:

قال الحافظ ابن حجر - وهو يتحدث عن بيعة صلح الرضوان -: (والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان؛ ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرَّضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال، وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ تحت الشجرة على ألا يَفروا، وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قُتل، فكان ذلك سبب البيعة) ا. هـ



قلت:

والآية التي تشير إلى البيعة هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10].



الفضيلة الثانية: إسلام قرينه من الجن:

عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجن، وقرينُه من الملائكة: قالوا: وإيَّاك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلَم فلا يأمرني إلا بخير"؛ رواه مسلم.



الفضيلة الثالثة: جعله الله زينة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام:

عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مثلي ومثلُ الأنبياء كمثل رجل بني دارًا، فأتَمَّها وأكمَلها، إلا موضع لبنةٍ، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأنا موضع اللبنة، جئت فختَمت الأنبياء"؛ رواه مسلم.



الفضيلة الرابعة: وهبه الله علمًا لم يَهبه أحدًا من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام:

عن المقداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه)؛ رواه أبو داود والترمذي، والمراد بـ(ومثله معه) السنة؛ كما ذكر جمهور كثير من العلماء.



وعن عمر رضي الله عنه قال: (قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقامًا، فأخبرنا عن بَدءِ الخَلقِ، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلَهم، حفِظ ذلك مَن حفِظه، ونَسِيَه مَن نَسِيَه)؛ رواه البخاري.



وعن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: (صلَّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفجرَ، وصَعِدَ المِنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلَّى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غَرَبَت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائنٌ، فأعلَمُنا أحفَظُنا).



الفضيلة الخامسة: جعله الله إمامًا لجميع الأنبياء عليهم السلام في الدنيا ليلة الإسراء:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - وهو يتحدث عن ليلة الإسراء -: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْب جَعْد كأنه من رجال شَنوءة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم - يعني: نفسه - فحانت الصلاة فأمَمتهم)؛ رواه مسلم (172).



الفضائل من السادسة إلى العاشرة: فضَّله الله تعالى بستٍّ لم يُعطها أحدًا من النبيين عليهم السلام:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "فُضِّلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافةً، وخُتم بي النبيُّون"؛ رواه مسلم.



وعن أبي هريرة أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "والذي نفس محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به - إلا كان من أصحاب النار"؛ رواه مسلم.



وعن جابر قال: أتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تُعجبنا، أفترى أن نَكتُب بعضها؟ فقال: (أمتهوِّكون أنتم كما تهوَّكت اليهودُ والنصارى، لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيةً، ولو كان موسى حيًّا ما وسِعه إلا اتباعي)؛ إسناده حسن.



الفضيلة الحادية عشرة: إرضاء الله تعالى له في أمته:

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36]، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ)؛ رواه مسلم (202).



من فوائد الحديث: مما قاله العلماء في فوائد هذا الحديث ما يأتي:

1- في ربط الآيتين ببكائه صلى الله عليه وسلم ودعائه، قال بعضهم: إن إبراهيم طلب المغفرة لمن عصى من أمته بقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وأن عيسى عرَّض بطلب المغفرة لقومه بقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فخَشِيَ صلى الله عليه وسلم على أمته، وأشفَق على العصاة منها، فسأل فيها ربه وبكى.



2- لقد روى النسائي والبيهقي عن أبي ذر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية، حتى أصبح يركع ويسجد بها، ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118].



فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؟ قال: (إني سألت ربي سبحانه وتعالى الشفاعة، فأعطانيها، وهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك به شيئًا).



وعند ابن مردويه عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، قمتَ الليلة بآية من القرآن؟ قال: دعوتُ الله سبحانه لأُمتي، قال: فبماذا أُجبت؟ قال: (أُجبت بالذي لو اطَّلع كثيرٌ منهم عليه، تركوا الصلاة).


3- في الحديث بيان كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، والبشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله شرفًا - بما وعدها الله تعالى.



4- بيان عِظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعِظم لطفه به، وأنه بالمحل الأعلى، فيُسترضى، ويُكرَم بما يرضيه، وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].

باهر الشأن
04-16-2026, 02:30 PM
أالله يعطيك الف عافيه ..